ابن تيمية

13

مجموعة الفتاوى

ذَكَرَ مَا بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ مِن الأَسْبَابِ الْمَخْلُوقَةِ الشَّرْعِيَّةِ : كَالْوِلَادَةِ وَمِن الكسبية الشَّرْطِيَّةِ : كَالنِّكَاحِ ثُمَّ قَالَ : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } قَالَ طَائِفَةٌ مِن المُفَسِّرِينَ مِن السَّلَفِ : { تَسَاءَلُونَ بِهِ } تَتَعَاهَدُونَ بِهِ وَتَتَعَاقَدُونَ . وَهُوَ كَمَا قَالُوا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن المُتَعَاقِدَيْنِ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ النِّكَاحِ أَوْ الْهُدْنَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَسْأَلُ الْآخَرَ مَطْلُوبَهُ : هَذَا يَطْلُبُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ . وَهَذَا تَسْلِيمَ الثَّمَنِ : وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مَطْلُوبَ الْآخَرِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا طَالِبٌ مِن الآخَرِ مُوجِبٌ لِمَطْلُوبِ الْآخَرِ . ثُمَّ قَالَ : { وَالْأَرْحَامَ } . و " الْعُهُودُ " و " الْأَرْحَامُ " : هُمَا جِمَاعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَ بَنِي آدَمَ ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي بَيْنَهُمْ : إمَّا أَنْ تَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِهِمْ . فَالْأَوَّلُ " الْأَرْحَامُ " والثَّانِي " الْعُهُودُ " وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ ؛ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلّاً وَلَا ذِمَّةً } فَالْإِلُّ : الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ . وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ . وَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } وَقَالَ : { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } إلَى قَوْلِهِ : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } . وَاعْلَمْ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ دَاخِلٌ فِي الْحَقَّيْنِ . وَمُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا ؛ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ { اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ وَخَلَقَ أَبَوَيْهِ وَخَلَقَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ . فَالسَّبَبُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ هُوَ الْخِلْقِيُّ التَّامُّ ؛ بِخِلَافِ سَبَبِ الْأَبَوَيْنِ ؛ فَإِنَّ أَصْلَ مَادَّتِهِ مِنْهُمَا وَلَهُ مَادَّةٌ مِنْ غَيْرِهِمَا ؛ ثُمَّ إنَّهُمَا لَمْ يُصَوِّرَاهُ فِي الْأَرْحَامِ . وَالْعَبْدُ لَيْسَ لَهُ مَادَّةٌ إلَّا